محمد بن جرير الطبري

363

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

متعهن الله ، فقيل متاعا مصدرا من معناه ، لا من لفظه . وقوله : غَيْرَ إِخْراجٍ فإن معناه أن الله تعالى ذكره جعل ما جعل لهن من الوصية متاعا منه لهن إلى الحول لا إخراجا من مسكن زوجها ، يعني لا إخراج فيه منه حتى ينقضي الحول ، فنصب " غير " على النعت للمتاع كقول القائل : هذا قيام غير قعود ، بمعنى : هذا قيام لا قعود معه ، أو لا قعود فيه . وقد زعم بعضهم أنه منصوب بمعنى : لا تخرجوهن إخراجا . وذلك خطأ من القول ، لأَن ذلك إذا نصب على هذا التأويل كان نصبه من كلام آخر غير الأَول ، وإنما هو منصوب بما نصب المتاع على النعت له . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ يعني تعالى ذكره بذلك : أن المتاع الذي جعله الله لهن المتوفى عنها زوجها إلى الحول في مال أزواجهن بعد وفاتهم وفي مساكنهم ونهى ورثته عن إخراجهن ، إنما هو لهن ما أقمن في مساكن أزواجهن ، وأن حقوقهن من ذلك تبطل بخروجهن إن خرجن من منازل أزواجهن قبل الحول من قبل أنفسهن بغير إخراج من ورثة الميت . ثم أخبر تعالى ذكره أنه لا حرج على أولياء الميت في خروجهن وتركهن الحداد على أزواجهن ؛ لأَن المقام حولا في بيوت أزواجهن والحداد عليه تمام حول كامل لم يكن فرضا عليهن ، وإنما كان ذلك إباحة من الله تعالى ذكره لهن إن أقمن تمام الحول محدات ، فأما إن خرجن فلا جناح على أولياء الميت ولا عليهن فيما فعلن في أنفسهن من معروف ، وذلك ترك الحداد . يقول : فلا حرج عليكم في التزين إن تزين وتطيبن وتزوجن ، لأَن ذلك لهن . وإنما قلنا : لا حرج عليهن في خروجهن ، وإن كان إنما قال تعالى ذكره : فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ لأَن ذلك لو كان عليهن في جناح ، لكان على أولياء الرجل فيه جناح بتركهم إياهن ، والخروج مع قدرتهم على منعهن من ذلك . ولكن لما لم يكن عليهن جناح في خروجهن وترك الحداد ، وضع عن أولياء الميت وغيرهم الحرج فيما فعلن من معروف ، وذلك في أنفسهن . وقد مضت الرواية عن أهل التأويل بما قلناه . في ذلك قبل . وأما قوله : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فإنه يعني تعالى ذكره : والله عزيز في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده من الرجال والنساء ، فمنع من كان من الرجال نساءهم وأزواجهم ما فرض لهن عليهم في الآيات التي مضت قبل من المتعة والصداق والوصية وإخراجهن قبل انقضاء الحول وترك المحافظة على الصلوات وأوقاتها ، ومنع من كان من النساء ما ألزمهن الله من التربص عند وفاة أزواجهن عن الأَزواج وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات حَكِيمٌ فيما قضى بين عباده من قضاياه التي قد تقدمت في الآيات قبل قوله : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وفي غير ذلك من أحكامه وأقضيته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ يعني تعالى ذكره بذلك : ولمن طلق من النساء على مطلقها من الأَزواج متاع متعة المطلقة ، يعني بذلك . ما تستمتع به من ثياب وكسوة ونفقة أو خادم وغير ذلك مما يستمتع به . وقد بينا فيما مضى قبل معنى ذلك ، واختلاف أهل العلم فيه والصواب من القول من ذلك عندنا بما فيه الكفاية من إعادته . وقد اختلف أهل العلم في المعنية بهذه الآية من المطلقات ، فقال بعضهم : عني بها الثياب اللواتي قد جومعن . قالوا : وإنما قلنا ذلك لأَن غير المدخول بهن في المتعة متعة المطلقة قد بينها الله تعالى ذكره في الآيات قبلها ، فعلمنا بذلك أن في هذه الآية بيان أمر